دكتور عبد العزيز الدوري

18

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

ومن ناحية حضارية نجد القبائل العراقية تسكن على الأغلب في مراكز ( دور هجرة ) منفصلة ، في الكوفة والبصرة ، وتحافظ على تقاليدها القبلية لفترة طويلة ، أمّا الحياة الحضرية فقد تكونت تدريجيا ، ولكن تلك القبائل تقوم بدور مهم في الفقه وعلوم العربية والتاريخ ، وتصبح البصرة والكوفة من أنشط مراكز الحياة العقلية . وهذا ينسجم مع ما لا حظناه من اتجاه الثقافة العربية الإسلامية . وفي الشام حيث اختلط العرب بغيرهم أكثر مما في العراق ، وحيث مركز الدولة ، نسمع بظهور الترف في العاصمة ، ولكن الروح العربية والتقاليد العربية كانت لا تزال أصيلة قوية . ومع ذلك لم تظهر فيها مراكز عقلية تقابل بالكوفة والبصرة . ولكننا نسمع فيها بمناقشات دينية بين المسلمين والمسيحين نتيجة لا تصال الآراء ، وبذلك تسرّبت الآراء والمعارف اليونانية والمسيحية إلى المسلمين بصورة أولية في العصر الأموي . أمّا أكثر الجهات تأنقا وإيغالا في الترف فهي المدينة ، مع أنّ المدينة كانت مركز التقاليد العربية الإسلامية ، وأكبر مدرسة للحديث وللعلوم الدينية ، تقابل في أهميتها البصرة والكوفة . وهذا طبيعي لأن المدينة كانت مركز الأرستقراطية العربية ( من قريش والأنصار ) التي ألفت حياة الترف قبل الإسلام والتي تفننت الآن . وهي مركز تعاليم الرسول ، وفيها تكوّنت أثقف زمرة من العرب . والمدينة نفسها شاهد على الاتجاه المستقل للعرب ، وعلى نفي نظرية الترقيع الثقافي . وفي المدينة ازدهر شعر جديد ، غزلي عفيف ، أو غنائي رقيق ، يستقي مصادره من هذه البيئة المترفة ، وينسجم مع رقة المدنيين وعذوبتهم . أمّا الشام والعراق فقد ازدهر فيهما الشعر السياسي وشعر المهاجاة بحسب مقتضى الصراع بين الأحزاب السياسية وبحسب تطور العصبية القبلية . ومن الناحية البشرية ، نرجع لنرى أنّ أكثر الغزاة كانوا من الأعراب ، ولكنهم لم يكونوا مجردين من كل ثقافة ، فقد كانت لديهم ثقافتهم ومعارفهم التي هذبتها مبادئ الإسلام . وعلينا أن نتذكر وجود قبائل في الهلال الخصيب استقرت من قبل وتحضرت متأثرة بالثقافة السامية السائدة . ونحن نعتقد أنه كان لعرب اليمن بإرثهم الحضاري دور إيجابي في تكوين الحضارة العربية ، ومع أنه يتعذر علينا تحديد دورهم لأنهم نزحوا مع غيرهم إلى المراكز الجديدة وساهموا معهم في البناء ، إلا أننا نرى أنّ الدراسة التفصيلية لهذه الناحية ستأتي بنتائج طيبة . كما أنّ مكة التي وجهت العرب كانت بلدة تجارة متحضرة ، وكانت موطنا لنضج اجتماعي وملتقى للتيارات الثقافية في الجزيرة قبل الإسلام . ويكفي أنّ الإسلام ظهر فيها ، وأنها أنجبت تلك العبقريات اللامعة في الإسلام ، وفي ذلك دليل على مستوى اجتماعي وثقافي عال كان فيها ، وعلى استعداد لها ، لذلك الإنتاج السامي . وعلينا أن نتذكر أنّ ثقافة